في 13/6/2025، قرر الكيان الصهيوني شن حرب شاملة على إيران، في أجواء اتسمت بالتآمر وممارسة الخداع. وبعد 12 يوماً من القتال العنيف الذي كاد يتحوّل إلى حرب إقليمية أو عالمية واسعة النطاق، تم التوصل إلى قرار لوقف إطلاق النار، ولكن في أجواء اتسمت بالغموض وعدم اليقين.
ولأن أوضاع المنطقة اختلفت في نهاية هذه الحرب، مقارنة بما كانت عليه الحال قبلها، فمن الطبيعي أن نحاول فهم حقيقة ما جرى في المنطقة خلال تلك الفترة القصيرة المثيرة، وأن نتساءل عما إذا كانت هذه الحرب قد أحدثت تغييرات جوهرية في موازين القوى القائمة بين مختلف الفاعلين الرئيسيين.
كان الرئيس دونالد ترامب قد وجّه إنذاراً شديد اللهجة إلى إيران، بعد أسابيع قليلة من وصوله إلى البيت الأبيض، خيّرها فيه بين الدخول مع إدارته إما في مفاوضات تستهدف التوصل إلى اتفاق يضمن سلمية وشفافية برنامجها النووي، أو في مواجهة مسلحة ستنتهي حتماً بتدمير هذا البرنامج.
ولأن إيران اختارت طريق المفاوضات غير المباشرة عبر وساطة عمانية، انعقدت منها بالفعل خمس جولات، وتم الاتفاق على عقد جولة سادسة كان مقرراً لها أن تعقد في مسقط صباح يوم الأحد 15/6، وصدرت على لسان ترامب نفسه تصريحات تؤكد أنها تسير على الطريق الصحيح، بل وتوشك أن تفضي إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، فقد تصورت أن شبح الحرب قد توارى، على الأقل طوال فترة التفاوض، غير أن كلاً من الكيان والولايات المتحدة كانا يضمران شيئاً آخر.
فقبل 48 ساعة من الموعد المتفق عليه لانطلاق الجولة السادسة من هذه المفاوضات في العاصمة العمانية مسقط، أعلن الكيان شن حرب شاملة على إيران. ولأن ترامب بارك هذه الحرب وأكد أنه كان على علم مسبق بها، فقد أوحت تصرفاته بأنه شارك بنفسه في خطة الخداع الاستراتيجي التي سبقتها واستخدم المفاوضات أداة لحبكها.
لم تكن الحرب التي أعلنها الكيان فجر يوم الجمعة 13/6 وليدة اللحظة، ولكن تبيّن أن التخطيط لها كان يجري على قدم وساق منذ عقد كامل، وأن هدفها لم يقتصر على تدمير برنامج إيران النووي وإنما امتد ليشمل إسقاط النظام الإيراني نفسه، بدليل مشاركة 200 طائرة حربية في ضربة افتتاحية تواكبت زمنياً مع عملية استخبارية ضخمة، نفذها مئات العملاء الذين تم تجنيدهم لشن عمليات تخريبية واسعة النطاق، استهدفت إحداث فوضى شاملة في البلاد.
صحيح أن هذه الضربة لم تؤد إلى إسقاط النظام، لكنها أفقدته توازنه لبعض الوقت. ولأنه تمكن من استعادة توازنه بسرعة، فقد بدأت الأمور تنحو منحى آخر، وبالتالي أصبح تدريجياً في وضع يسمح له بتسديد رشقات صاروخية أثبتت قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي متعدد الطبقات، ثم راحت قوتها التدميرية تزداد بمرور الوقت وتلحق أضراراً جسيمة بالعديد من المنشآت والمرافق الحيوية في عمق الكيان، وذلك في سابقة غير معهودة في تاريخه، ما أحدث قدراً من التوازن في مسار الحرب، وفتح الباب أمام احتمال تحوّلها إلى عملية استنزاف طويلة الأمد للكيان، وليس إلى حرب خاطفة كما كان يأمل.
حين تبيّن أن الطيران الحربي الإسرائيلي، رغم الزعم بتمكنه من السيطرة التامة على الأجواء الإيرانية، أصبح عاجزاً عن تدمير المنشآت النووية المحصنة، بدأ نتنياهو يستجدي تدخلاً أميركياً مباشراً في الحرب، استجاب له ترامب في النهاية بعد فترة من التردد، ومن ثم قام بإصدار أوامره إلى القاذفات الاستراتيجية الأميركية للقيام بالمهمة المطلوبة، وحين فرغ منها راح يطالب إيران بالاعتراف بالهزيمة والتوقيع على صك الاستسلام، وهو ما رفضته بالطبع، بل ولوّحت بالردّ عليه بضرب جميع القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة. وهنا، بدأت الحرب تأخذ منحى شديد التعقيد، وتنذر بعواقب وخيمة بالنسبة إلى جميع الأطراف المشاركة فيها.
فالكيان الصهيوني، الذي بادر بشنّها، أصبح عاجزاً عن حسمها بالضربة القاضية، وبدأ يخشى من تحوّلها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد لا يستطيع أن يتحمّل تكلفتها الباهظة أو يحقق الانتصار فيها.
وإدارة ترامب، التي قبلت مدّ يد العون للكيان، لم تكن على استعداد لمواصلة الانخراط المباشر في حرب قد تتحوّل إلى حرب إقليمية أو عالمية، وإلا خسرت قاعدتها الانتخابية التي التفت حول شعارات من قبيل: “أميركا أولاً” ورفض النهج القائم على “تغيير الأنظمة بالقوة”.


لا تعليق